الانتخابات وسطوةُ التنظيم العشائري
قلم: أحمد بلقمري
يقول لاتين (1986) بأنّ الثقافة تنظّم الأولويات
السّياسية، بمعنى أنّها تحدّد الموضوعات المادية و الرّمزية التي يراها الناس ذات
قيمة و تستحق أن يقاتلوا من أجلها، كما تحدّد الشّروط التي تحدث فيها نزاعات كهذه،
و القواعد (الرسمية و غير الرسمية على حد سواء) تلك التي تجري وفقا لها السياسة و
من يشارك فيها. فالثقافة هنا تؤطر السّياق الذّي تحدث فيه السّياسة، بل تصنع
السّياق ذاته في بعض الحالات. هذا ما نلاحظه كلما اقترب استحقاق انتخابي لاسيما
المواعيد المرتبطة بالأهمية الموقعية (نقصد بذلك التموقع و التخندق بالمشاركة و
الاتباع في كثير من الأحيان) كالانتخابات التشريعية و انتخابات المجالس البلدية و
الولائية.
إنّ الجماعات السكانية تتجمع و تحتشد لبناء التصوّرات
التخطيطية لا للنظام الاجتماعي فحسب إنما لمستقبل الجماعات ذاتها، فبعض الجماعات
تنزع للتكتل و التقوقع على نفسها حفاظا على بقائها، فتتجه نحو التعصّب و التمحور
العرقي باحثة عن السلطة و الهيمنة. هذا ما يؤكّده التراث الشفوي و الأمثال الشّعبية
المتصّلة بتجسيد هذه المفاهيم، فثقافة "بغلُنا خيرٌ مِن فرسِهِم"، "
أخُوك، أخُوك، لا يغرنّك صاحبك"، و غيرها من الأقوال تزيد من التأثير على
العقليات فتجعلها تتصلّب و تحيد عن الحقّ، تميل عن المنطق و تغذّي التعصّب.
إنّ مثل هذه الجماعات الدّاعية إلى ثقافة التعصّب تصوّب
أهدافها نحو خدمة فكرة التهديد و نظرة الخوف و الرّيبة من الآخر، و بالتالي هو خوف
من الصّراع و المنافسة، و الخوف هنا يحمل معنى البقاء مقابل الفناء، البقاء الذّي
يتطلّب حشد الأفراد و توحيد الجهود و الأفكار و الأهداف حتّى لو تطلّب الأمر
استخدام العنف لفرض الأمر الواقع، و تحديد المسؤوليات بما في ذلك مسؤولية الانتماء
للجماعة.
هنا نحن أمام مواقف اجتماعية في غاية التعقيد، قد يكون
من بين أهم تداعياتها انتشار سمة الامتثال الاجتماعي بين أفراد الجماعة الواحدة،
هذا الامتثال الذي قد تؤثر نتائجه سلبا على المجتمع الكلي أو العام أين يصبح
الانحراف وجها للنزعة الجماعية، و الاستبداد عنوانا لمشهد سياسي مرتبك مفتوح على
الصّراعات العنيفة غير محسوبة العواقب. إذن نحن أمام مشكلة وعي أو لا وعي سياسي، إنّه
ذلك المتعلّق بالمعتقدات و القيم و المواقف المطلوب تقويمها في حالة الانحراف و
تعزيزها في حالة تكاتف الجهود لإنجاح مشروع مجتمع.
تعليقات
إرسال تعليق