الثنائية
الجنسية و اضطرابات الهوية الجنسية: سؤال الارتكاس؟.
![]() |
الثنائية الجنسية أو البيجنسية Bisexualité، ما هي؟
|
قلم: أحمد
بلقمري
نسمع
كثيرا عن الحياة الجنسية، بل و نقرأ أحيانا بتحفظ و خشية عن العاطفية و الحبّ و
الغيرة و النّضج الجنسي و الإشارات السّاخنة و غيرها من المصطلحات كالانحراف
الجنسي، الشذوذ الجنسي، السادية، الفتيشية، المثلية، الثنائية الجنسية...؛ لكنّنا
كأفراد نعيش في المجتمع العربي ننزع للابتعاد عن تناول هذا الطابو و الحديث عنه
خشية الوقوع فريسة الإشارات الاستنكارية من الآخرين نحونا نتيجة فهم خاطئ في
الغالب لتعاليم الدّين، على الرغم من حديث النص الدّيني عن الوظيفة الجنسية و
أطوار حياة الإنسان الجنسية؛ هذا ما دفعنا
لتناول الجنسي الإنساني في هذا المقال لتوضيح الرّؤى و درء بعض الأفكار الخاطئة.
سنتحدّث هنا عن ماهية الثنائية الجنسية من جهة و علاقتها باضطرابات الهوية الجنسية،
و الحدود الفاصلة بينهما؟.
الثنائية الجنسية أو البيجنسية Bisexualité، ما هي؟
تعتبر
أسطورة "هيرموفروديش" الإغريقية الأكثر
إيضاحا و دلالة على حالة الثنائية الجنسية، حيث تقول الأسطورة أنّ شاباًَ جميلاً كان
ابناً للآلهة "هيرميس" وآلهة الجمال أفروديت وقعت في حبّه حورية بحر جميلة
تدعى "سلاميس"، وحين ذاك و سعيا
إلى الاتحاد في الحبّ طلبت منهما الآلهة أن يتحدّا و لا يفترقان أبدا، فكان الذّي
رأت الآلهة و جمعت بينهما في جسم واحد خالد، و كان "هيرموفروديش" الشّاب
الجميل ذو النصف الذكري و النصف الأنثوي في آن واحد . منذ ذلك الحين و إلى يومنا هذا حملت الظاهرة اسم"الخنثوية"
أو "الهيرمافروديسم Hermaphrodisme"، و هي حالة من الاختلاط
الجنسي، حقيقية و استثنائية في الجنس البشري. و قد أشار سيجموند فرويد S.Freud في كتابه:"ثلاث مقالات في النظرية
الجنسية" إلى هذه الحالة واصفا إيّاها ب"الخنثوية"، و هي عبارة عن
جمع الأشخاص بين خصائص الذكورة و الأنوثة في أعضائهم التناسلية كأن يوجد الجهازان
التناسليان جنبا إلى جنب و قد اكتمل نموهما(الخنثوية الحقة)، أو وجودهما في حالة
من الضمور.[i]
لم تكن المسألة لدى رواد التحليل النفسي غامضة إلى الحد الذّي لا يمكن فيه وضع
تفسير للظاهرة، فالأمر لم يعد كونه شذوذا و درجة من الخنثوية التشريحية التي تحتاج
إلى توجيه نفسي جنسي (Une orientation psychosexuelle )،
لقد اعتبر فرويد و تلاميذه في ما بعد أنّ الثنائية الجنسية ليست سوى ارتكاسا يعبر
عن الخنثوية النفسية بشرط أن تتوافر العلامات النفسية و البدنية للخنثوية.[ii]
ماذا عن اضطراب الهوية الجنسية؟
لعل
التعديلات التي وردت في الدليل التشخيصي و الإحصائي الرابع المعدل للأمراض العقلية
هي الأفضل تقريبا من حيث تحديد التعريف العلمي لاضطرابات الهوية الجنسية التي
يتظاهر الاضطراب لدى أصحابها وفقا لما يلي:
أ:
تماهي شديد و مستديم بالجنس الآخر.
ب:انزعاج
مستديم من جنسه أو الإحساس بعدم الملائمة في الدّور الجنسي لجنسه الفعلي.
ج: لا
يتوافق الاضطراب مع خنثوية جنسية.
د:
يسبب الاضطراب ضائقة مهمة سريريا أو اختلالا في الأداء الاجتماعي أو المهني أو
مجالات هامة من الأداء الوظيفي.
إنّ
هذه المؤشرات و أخرى تساعدنا و تقودنا إلى تفسير و فهم العلاقة بين الثنائية
الجنسية و اضطرابات الهوية الجنسية التي يحدّدها نفس الدليل تحت عنوان: اضطراب
الهوية الجنسية النوعية غير المحددة في مكان آخر، و الذّي يضم حالات الخنوثة (مثل
متلازمة اللاحساسية الجزئية للأندروجين أو فرط التنسج الكظري الخلقي) يصاحبها عدم
ارتياح للهوية الجنسية. إنّ المسألة الغامضة في حقيقة الأمر هي طبعا في فهم الصلة
بين الثنائية الجنسية و اضطراب الهوية الجنسية، فنحن نعتقد أنّ الحدود الفاصلة
واضحة في حين أنّها متعلّقة بالإجابة عن تساؤلات عديدة أولاها سؤال الارتكاس.
سؤال الارتكاس L’inversion ؟
الارتكاس
L’inversion هو انحراف في الموضوع الجنسي، و المرتكسون حسب
فرويد S.Freud ثلاثة أنواع: مرتكسون مطلقون Les invertis absolus ، مرتكسون خليطون Les invertis amphigène (خناث من الناحية النفسية الجنسيةHermaphrodisme psychosexuel )، مرتكسون عرضيون Les invertis occasionnels[iii]؛
و هنا يمكننا ضبط فرويد S.Freud متردّدا في صياغة تفسير لأصل الارتكاس على
اعتبار صعوبة إيجاد تفسير واضح و دقيق له، حيث يقول:" إننا نرى أنفسنا عاجزين
عن تفسير أصل الارتكاس تفسيرا مرضيا[iv]".
هناك سبب آخر قد يدعو لهذه الصعوبة في التفسير يتمثّل في الارتباطات و الالتحامات
الشديدة بين الغريزة الجنسية و الموضوع الجنسي، فعزو الارتكاس إلى الفطرية أو
الاكتساب يفتح المجال واسعا لزيادة الفروض، و يجعل من الضروري تحديد الارتباط بين السّلوك
السابق التكوين ذي موضوع(هو القرين من الجنس الآخر)، و هدف (هو اتحاد الأعضاء
التناسلية).
على
خلفية هذا الطرّح نخلص إلى نتيجة مفادها ضرورة العناية الخاصة بمثل هذه الحالات
الشاذة، لا سيما التكفل النفسي بهذا النوع من الأفراد غير الأسوياء بداية من
سنواتهم الأولى في الحياة حتى نضمن لهم العيش بيننا دون مشكلات تذكر، مع التوصية
بضرورة عدم تغيير الجنس حتى نضمن عيشهم معنا في ظل تجاهل حالتهم.
تعليقات
إرسال تعليق